نصر حامد أبو زيد
121
الاتجاه العقلي في التفسير
العدل ، لأن العمد إلى ابطال الفاسد عدل ، والقدوم أبلغ لما بيّنا » 96 . وواضح أن الرماني يريد أن ينفي عن اللّه الحركة والانتقال ، فلذلك ما حاول الكشف عن أصل النقل في الفعل « قدم » وأنه بمعنى العمد . غير أن الرماني يكتفي بالقول بأن القدوم أبلغ وذلك لما يؤديه من غاية حددها بأنها هي التحذير من الاغترار بالامهال ، وبذلك يكشف عن الوظيفة النفسية للاستعارة في هذه الآية . ثم آية أخرى يسلك الرماني ازاءها نفس المسلك وهي قوله تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( الرحمن / 31 ) « واللّه عز وجل لا يشغله شأن عن شأن ، ولكن هذا أبلغ في الوعيد ، وحقيقته سنعمد ، إلّا أنه لمّا كان الذي يعمد إلى شيء قد يقصر فيه لشغله بغيره معه ، وكان الفارغ له هو البالغ في الغالب مما يجري به التعارف ، دللنا بذلك على المبالغة من الجهة التي هي أعرف عندنا لما كانت بهذه المنزلة ، ليقع الزجر بالمبالغة التي هي أعرف عند العامة والخاصة موقع الحكمة » 97 والتحليل هنا لا يختلف كثيرا عن تحليل الآية السابقة من حيث بيان وجه المشابهة في الاستعارة ، والكشف عن أثرها النفسي في المتلقي ، غير أن الرماني يستخدم هنا كلمة « المبالغة » للدلالة على الاستعارة . وهذا يقودنا لمعنى المبالغة عنده ، والفارق بينها وبين الاستعارة . وتعريف الرماني للمبالغة بأنها « الدلالة على كبر المعنى على جهة التغيير عن أصل اللغة لتلك الإبانة » 98 فهو تعريف يدخلها في حد المجاز والفارق بين الاستعارة والمبالغة أن الأولى تقوم على التشبيه ، بينما تقوم الثانية على علاقة غير علاقة المشابهة . ويحدد الرماني هذه العلاقة على وجوه « منها المبالغة في الصفة المعدولة عن الجارية بمعنى المبالغة وذلك على أبنية كثيرة منها : فعلان ، ومنها فعال ، وفعول ، ومفعل ، ومفعال ففعلان كرحمان عدل عن راحم للمبالغة » 99 أما الوجه الثاني فهو استخدام صيغة العموم للتعبير عن الخصوص للمبالغة . والثالث « اخراج الكلام مخرج الاخبار ، عن الأعظم الأكبر للمبالغة كقول القائل : جاء الملك إذا جاء جيش عظيم له » 100 ومن الواضح أن النوعين الثاني والثالث من وجوه المبالغة يدخلان فيما سمي بعد ذلك بالمجاز المرسل ، بينما يدخل النوع الأول في المبالغة بالصيغة . ومن الواضح أيضا أن الرماني لم يدخل هذا الباب في باب الاستعارة ، حتى لا تختلط الحدود بين التجاوز الذي يقوم على التشبيه ، والتجاوز الذي يقوم على علاقة من نوع آخر . وقد كانت هذه التفرقة مدخلا لتأويل بعض الآيات في التوحيد والعدل ، وهي آيات يصعب تأويلها على أساس الاستعارة وإلّا أدّى هذا التأويل إلى افتراض مشابهة اللّه للبشر ، أو امكانية وجود هذه المشابهة على الأقل .